محمد أبو زهرة
3573
زهرة التفاسير
نوائم العقل وتواكبه ومدى ما فيه من إنذار لمن كفر وثواب لمن آمن ، وذلك لمن يخاطب بأمر غريب لم يألفه فإنه يسارع إلى إنكاره بادي الرأي ، ثم إذا شرد عقله عن الطريق المستقيم ضل في السبل وأصبح لا يسمع منادى الصواب إذ يناديه ، وداعى الهداية إلى الحق وهو يدعوه . وهذا نراه في أصحاب المذاهب المنحرفة إذا فوجئوا بما يخالفها أنكروه ثم حاولوا أن يجمعوا ما يؤيد ما جنحوا إليه من المنكر ، وإن محمدا صلى اللّه عليه وسلم جاء إليهم على فترة من الرسل في الأرض العربية وقد عمتهم جهالة دينية ، فجاءهم بأنه رسول من عند اللّه تعالى وكان ذلك غريبا فيهم ، وجاءهم بقرآن هو معجزته فلم يتدبروه ويفهموه فعجلوا برده ، ثم ساروا من بعد في سبل الضلال . وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ التأويل هو التفسير والفهم وفقه الكلام ومراميه ويطلق بمعنى معرفة المآل ومن ذلك قوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا . . . ( 53 ) [ الأعراف ] . والنص القرآني يقبل تفسيرين ، بل لا مانع من الجمع بينهما : أولهما - أنهم كذبوا ولم يحيطوا بعلمه ، والحال أنهم لما يأتهم في مداركهم وأفهامهم فقهه وما فيه من إنذار وتبشير ، وسيأتيهم لا محالة إذا تأملوه . ثانيهما - أنهم لم يأتهم مآله ، وأنه آت لا محالة ، وأنهم كذبوا القرآن بما فيه من بعث ونشور وحساب وثواب بالجنة وعقاب بالنار وأنه سيأتيهم ، وقد وعد سبحانه ، وإنه منجز وعده . وإن هذه الحال من المشركين هي الحال التي كانت في الأمم السابقة الذين بعث فيهم الرسل وسارعوا بتكذيبهم قبل أن يتأملوا ما أتوا به وقبل أن يعرفوا قوة المعجزة ، ثم لجوا في تكذيبهم حتى نفذ اللّه تعالى أمره فيهم كقوله تعالى : كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كهذه الحال التي كان عليها المشركون من العرب